في كل مرة نفتح فيها هواتفنا، قد نصادف نصيحة جديدة تخبرنا أن نبحث عن شغفنا، وأن نتبع ما نحب، وأن نحوّل شغفنا إلى عمل. وكأن هناك شيئاً ما في داخل كل واحد منا، واضحاً ومكتمل الملامح، ينتظر أن نعثر عليه حتى نعرف الطريق الذي ينبغي أن نسلكه.
ومع كثرة الحديث عن الشغف، أصبح من السهل أن نشعر بأننا نفتقد شيئاً إذا لم نعرف ما هو شغفنا، أو إذا لم نشعر تجاه عملنا بذلك الحماس الكبير الذي نراه في القصص والصور من حولنا.
لكن ماذا لو لم يكن الشغف شيئاً مخفياً علينا العثور عليه؟
وماذا لو كانت علاقتنا بالأشياء التي نحبها أكثر بساطة من ذلك؟
ما الذي يعنيه الشغف في علم النفس؟
في علم النفس، لا يُنظر إلى الشغف على أنه مجرد شعور مؤقت بالحماس أو المتعة. يعرّفه روبرت فالديراند وزملاؤه بأنه ميل قوي نحو نشاط يحبه الشخص، ويجده مهماً، ويستثمر فيه وقتاً وطاقة، بحيث يصبح هذا النشاط جزءاً مهماً من هويته.
لكن أهمية النشاط بالنسبة لنا لا تعني بالضرورة أننا نشعر بالحماس تجاهه طوال الوقت. فقد نحب نشاطاً ما، ونستمتع به، ثم نشعر بالملل منه أحياناً، أو نمر بأيام لا نرغب فيها بممارسته.
وهذا طبيعي.
فالعلاقة بشيء نحبه لا تحتاج إلى أن تكون مشتعلة طوال الوقت حتى تكون حقيقية.
الشغف ليس نوعاً واحداً
يقترح نموذج فالديراند الثنائي للشغف نوعين أساسيين من الشغف: الشغف المتناغم والشغف الاستحواذي.
في الشغف المتناغم، تكون علاقتنا بالنشاط قائمة على الاختيار. نمارسه لأننا نريده ونراه مهماً بالنسبة لنا، ويستطيع أن يكون جزءاً من حياتنا دون أن يطغى عليها.
أما في الشغف الاستحواذي، فالأمر مختلف.
نحن هنا لا نتحرك نحو النشاط فقط لأننا نحبه، وإنما قد يدفعنا إليه ضغط داخلي أو شعور بأن علينا الاستمرار، أو أن قيمتنا مرتبطة بمدى نجاحنا فيه. يصبح النشاط حاضراً في هويتنا بطريقة يصعب معها أن نبتعد عنه، حتى عندما نحتاج إلى ذلك.
وهنا قد يتحول الشيء الذي نحبه إلى شيء نشعر أننا مطالبون بإثبات أنفسنا من خلاله.
لذلك، السؤال ليس فقط: «ما شغفي؟»
بل أيضاً: «كيف هي علاقتي بهذا الشيء الذي أحبه؟»
عندما يتحول ما نحب إلى واجب
قد يبدأ الأمر بشيء بسيط نحبه.
نرسم لأن الرسم ممتع.
نكتب لأن الكتابة تمنحنا مساحة.
نمارس الرياضة لأننا نشعر بخفة بعدها.
نعزف لأننا نستمتع بالصوت.
ثم تبدأ الأسئلة بالتسلل:
- كيف أصبح أفضل؟
- كيف أستفيد منه؟
- كيف أحوله إلى عمل؟
- كم تطورت؟
- لماذا لم أصل إلى المستوى الذي أريده بعد؟
ومع الوقت، قد يتحول النشاط الذي كان مساحة للمتعة إلى مشروع آخر لإثبات الذات.
وهنا تكمن إحدى المشكلات: ليس كل ما نحبه بحاجة إلى أن يتحول إلى إنجاز.
ماذا يخبرنا علم النفس عن الدافعية؟
تساعدنا نظرية تقرير المصير لإدوارد ديسي وريتشارد رايان على فهم جانب مهم من علاقتنا بالأنشطة التي نمارسها.
تتحدث النظرية عن ثلاث حاجات نفسية أساسية: الاستقلالية، والكفاءة، والارتباط بالآخرين.
الاستقلالية تعني أن نشعر بأن ما نفعله نابع من اختيارنا، وليس مفروضاً علينا.
والكفاءة تتعلق بشعورنا بالقدرة والفاعلية في التعامل مع ما نفعله.
أما الارتباط، فيتعلق بالشعور بالاتصال والانتماء إلى الآخرين.
إشباع هذه الحاجات يرتبط بأشكال أكثر جودة من الدافعية والانخراط.
لكن هذا لا يعني أن كل نشاط نحبه يجب أن يصبح مشروعاً لتحسين كفاءتنا.
فالكفاءة في النظرية هي إحدى الحاجات النفسية، وليست أمراً يفرض علينا أن نحول كل هواية إلى مهارة نراقب مستواها ونقيس تقدمنا فيها.
قد نستمتع بشيء لأننا نشعر بالقدرة عليه، وقد نستمتع بشيء آخر رغم أننا لسنا جيدين فيه على الإطلاق.
وهل الشغف هو نفسه التدفق؟
ليس تماماً.
تحدث عالم النفس ميهالي تشيكسنتميهايي عن التدفق (Flow)، وهي حالة من الانغماس الشديد في نشاط ما، يصبح فيها الانتباه مركزاً على ما نفعله، وقد يضعف الإحساس بمرور الوقت.
قد نعيش هذه الحالة أثناء الرسم، أو الكتابة، أو العزف، أو ممارسة الرياضة، أو حل مشكلة.
لكن التدفق ليس مرادفاً للشغف.
فالتدفق حالة نمر بها أثناء نشاط، بينما الشغف علاقة أكثر استقراراً بين الشخص والنشاط الذي يراه مهماً.
وقد نكون شغوفين بشيء دون أن ندخل حالة التدفق في كل مرة نمارسه فيها.
ماذا يحدث في الدماغ عندما نرغب بشيء؟
عند الحديث عن الشغف، يظهر الدوبامين كثيراً في التفسيرات الشائعة. لكن الصورة العلمية أكثر تعقيداً من القول إن الدوبامين هو «مادة السعادة» أو «مادة الشغف».
ترتبط أنظمة الدوبامين، من بين وظائف أخرى، بالدافعية والسعي نحو المكافأة والتعلم المرتبط بها. وتشير أبحاث علم الأعصاب إلى أهمية التمييز بين الرغبة في الحصول على شيء (wanting) وبين الاستمتاع به (liking)؛ فهما ليسا الشيء نفسه بالضرورة.
وهذا التفريق مهم عند الحديث عن الشغف.
فقد نرغب بشدة في الوصول إلى شيء، أو نشعر بدافع قوي لملاحقته، من دون أن يعني ذلك أننا نستمتع به بالقدر نفسه.
ولهذا، فإن قوة الرغبة أو الدافع وحدها لا تكفي لنقول إننا أمام شغف صحي أو متناغم.
«اتبع شغفك»… أين تكمن المشكلة؟
ربما المشكلة ليست في العبارة نفسها، وإنما في الصورة التي صنعتها حول الشغف.
عندما نعتقد أن لكل شخص شغفاً واحداً مخبأً في داخله، وأن عليه العثور عليه حتى يعرف تخصصه أو مهنته أو طريقه في الحياة، يصبح عدم العثور عليه سبباً للقلق.
قد نجرب أكثر من مجال، ولا نشعر تجاه أي منها بذلك الشعور الكبير الذي تخبرنا عنه القصص.
فنبدأ بالتساؤل:
- هل اخترت الطريق الخطأ؟
- هل ما أفعله ليس شغفي؟
- هل هناك شيء ناقص في داخلي؟
لكن الشغف ليس بالضرورة نقطة بداية نصل إليها أولاً، ثم نبني حياتنا على أساسها.
تشير أبحاث فالديراند وزملائه حول تطور الشغف إلى أن العلاقة مع النشاط يمكن أن تتشكل وتتطور، وأن عوامل مثل دعم الاستقلالية وطريقة ارتباط الشخص بالنشاط وهويته يمكن أن ترتبط بنوع الشغف الذي يتطور لديه.
وهذا يترك مساحة أكبر للتجربة، بدلاً من انتظار لحظة نكتشف فيها فجأة «ما خُلقنا لأجله».
ليس كل ما نحبه مشروعاً للتطور
وهنا ربما نحتاج إلى التوقف قليلاً.
فليس كل نشاط نمارسه يجب أن يكون استثماراً واعداً، أو مساراً لنطور كفاءتنا أو مهارة نقيس بها مدى تقدمنا.
في كثير من المرات، يكون نوع المتعة الذي نجده في بعض الأنشطة مرتبطاً بعبثها تحديداً.
- أن نرسم بلا مخطط مسبق.
- أن نجرب شيئاً للمرة الأولى من دون أن نمتلك المهارة.
- أن نلعب ونحن نعرف أننا لسنا جيدين في اللعبة.
- أن نمارس هواية ونحن في أسوأ أداء ممكن لها، ومع ذلك نستمتع بها.
قد تكون المتعة هنا في التجربة نفسها، لا في النتيجة التي ستصل إليها.
وإذا ربطنا قيمة كل ما نفعله بجدوى التطور والتحسين المستمر، فقد نقتل روح البهجة البسيطة، ونحوّل المتعة إلى وظيفة خفية أخرى تطالبنا بإثبات أنفسنا.
وهذا بالضبط أحد الفخاخ التي يمكن أن نبتعد عنها عندما نفهم الفرق بين الشغف المتناغم والشغف الاستحواذي.
حتى الشيء الذي نحبه قد نشعر بالملل منه
هناك تصور آخر يجعل الشغف يبدو بعيداً عن الحياة الحقيقية: الاعتقاد بأننا إذا أحببنا شيئاً، فسوف نرغب فيه دائماً.
لكننا نمل حتى من الأشياء التي نحبها.
- قد نحب القراءة ولا نرغب بفتح كتاب اليوم.
- قد نحب الرسم ونترك أدواتنا أسابيع.
- قد نحب عملنا ونشعر بالضجر منه أحياناً.
- وقد نحب هواية معينة ثم نبتعد عنها لفترة.
الحب والاهتمام لا يعنيان غياب الملل.
ولا يعني الشعور بالملل بالضرورة أن علاقتنا بالنشاط انتهت.
أحياناً يكون النشاط الذي نحبه جزءاً من حياتنا ببساطة، لا اختباراً دائماً لمدى حماسنا تجاهه.
كيف تبقى علاقتنا بالشغف متناغمة؟
ربما لا نحتاج إلى قائمة جديدة من المهام حتى نحافظ على شغفنا.
بل قد يكون من المفيد أن ننتبه إلى بعض الأسئلة البسيطة:
- هل ما أفعله ما زال اختياراً بالنسبة لي؟
- هل أستطيع أن أبتعد عنه عندما أحتاج إلى ذلك دون أن أشعر بالذنب؟
- هل أستطيع أن أمارسه دون أن أربط قيمتي الشخصية بمستواي فيه؟
- هل أسمح لنفسي بأن أكون مبتدئاً، أو عادياً، أو حتى سيئاً فيه أحياناً؟
- وهل ما زال في هذا النشاط مكان للمتعة، لا للإنجاز فقط؟
الشغف المتناغم لا يعني أن نكون دائماً متحمسين أو منتجين أو في أفضل حالاتنا.
قد يعني ببساطة أن يبقى الشيء الذي نحبه جزءاً من حياتنا، لا أن تصبح حياتنا كلها جزءاً منه.
في النهاية…
ربما لسنا بحاجة إلى أن نعيش حياتنا ونحن نبحث عن «شغفنا الحقيقي».
وربما لسنا بحاجة أيضاً إلى أن نحول كل شيء نحبه إلى مهارة، وكل مهارة إلى إنجاز، وكل إنجاز إلى دليل على قيمتنا.
يمكننا أن نجرب. أن نستمتع. أن نمل. أن نترك شيئاً ونعود إليه.
أن نرسم من دون مخطط، ونلعب من دون مهارة، ونفعل شيئاً فقط لأنه ممتع.
وقد نجد، وسط كل ذلك، أن علاقتنا ببعض الأشياء أصبحت أعمق مع الوقت.
ليس لأن علينا دائماً أن نتطور من خلالها، وإنما لأنها ببساطة أصبحت تعني لنا شيئاً.
فربما لا يكون الشغف شيئاً نكتشفه جاهزاً، ولا مشروعاً علينا أن ننجح فيه؛ بل علاقة يمكن أن تتشكل بيننا وبين ما نحب، وتبقى أجمل حين تظل فيها مساحة للاختيار والمتعة، وحتى للعبث.
المراجع
- Vallerand, R. J., et al. (2003). Les passions de l'âme: On obsessive and harmonious passion. Journal of Personality and Social Psychology, 85(4), 756–767.
- Vallerand, R. J., et al. (2008). On the development of harmonious and obsessive passion. Journal of Personality, 76(5).
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The "What" and "Why" of Goal Pursuits. Psychological Inquiry, 11(4), 227–268.
- Csikszentmihalyi, M. (1990). Flow: The Psychology of Optimal Experience. Harper & Row.
- Nakamura, J., & Csikszentmihalyi, M. (2002). The Concept of Flow. In Handbook of Positive Psychology.
- Adelson, R. (2005). Dopamine and desire. Monitor on Psychology, 36(3), APA.
- Anselme, P., & Robinson, M. J. F. (2016). "Wanting," "liking," and their relation to consciousness. Journal of Experimental Psychology, 42(2), 123–140.
